ادعية و اذكار

رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا

الأخبـــار

" كيف كانت تونس طريقا إلى "غزة - أريحا أولا

" كيف كانت تونس طريقا إلى "غزة - أريحا أولا

مداخلة السفير محمد الحصايري في مؤتمر "دور المغاربيين في الثورة الفلسطينية تونس / رام الله في 10/05/2017 
 
 
 كيف نُشفى من حب تونس

كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس

لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نر في أي مكان آخر

لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أي مكان آخر

نقفز من حضنها إلى موطئ القدم الأول

في ساحة الوطن الخلفية

بعدما تجلت لنا فيها

في البشر والشجر والحجر

صور أرواحنا المحلقة كعاملات النحل على أزهار السياج البعيد

في هذا الوداع أحبكِ يا تونس أكثر مما كنا نعرف

نرسب في صمت الوداع الحزين شفافية تجرح ونُصفي كثافة مركزة إلى حد العتمة التي تحل بالعشاق

ما أجمل الأسرار الكامنة وراء الباب الموارب، وراء بابك وهو المساحة المثالية لتعامل الشاعر الحاذق مع العناصر التبادلية للقصيدة.

فهل نقول لك شكرا؟!

لم أسمع عاشقين يقولان

لم أسمع أبدا عاشقين يقولان شكرا ولكن شكرا لك لأنك أنت من أنت.

حافظي على نفسك يا تونس.

سنلتقي غدا على أرض أختك: فلسطين.

هل نسينا شيئا وراءنا؟!

نعم، نسينا القلب وتركنا فيك خير ما فينا، تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا

نوصيك بهم خيرا

*********

بهذه الكلمات الرقيقة المرهفة تحدّث شاعر فلسطين الكبير محمود درويش عن تلك اللحظة الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، لحظة الانتقال من تونس إلى ما سماه "موطئ القدم الأوّل" في فلسطين...

فكيف أمكن لهذه اللحظة الفارقة أن تتحقق؟ وماذا كان دور تونس في تحقيق هذه اللحظة؟..

هذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذه الورقة.

*********

في البداية أريد أن أعود بكم إلى سنة 1965 وبالتحديد إلى الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الحبيب بورقيبة في مدينة أريحا والذي دعا فيه الشعب الفلسطيني إلى النسج في كفاحه على منوال تونس في كفاحها من أجل التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي... ولن أقرأ عليكم هذا الخطاب الذي أثار في ذلك الوقت عاصفة عاتية من التهجم على قائله،  لكنني سأتوقف فحسب عند هذه الفقرة التي جاءت في اخر الخطاب:

يقول الرئيس الحبيب بورقيبة: "هذه هي نصيحتي التي أقدمها لكم ولكل العرب حتى تضعوا في الميزان لا العاطفة والحماس فقط، بل وكذلك جميع معطيات القضية بناء على ما قاله لكم رجل نزيه لا تشكّون في صدقه وإخلاصه وتفانيه، وهكذا نصل إلى الهدف ولا نبقى سبع عشرة سنة أخرى أو عشرين سنة نردّد (الوطن السليب... الوطن السليب...) دون جدوى" (1).

ولعل الأمر العجيب الذي ينبغي أن نلاحظه من خلال هذه الفقرة هو أن انتقال القيادة الفلسطينية من بيروت الى تونس في العاشر من شهر آب/ أوت 1982 تم بالتحديد بعد سبع عشرة سنة من الخطاب الذي القاه الرئيس الحبيب بورقيبة في أريحا، ومثلما هو معلوم جاء هذا الانتقال، على الصعيد الفلسطيني، في ظرف ازدادت فيه القضية الفلسطينية تعقيدا بشكل غير مسبوق، حيث تعاقبت عليها الأحداث المؤلمة، فبعد نكسة 1967 واحتلال الضفة والقطاع، وبعد أيلول الأسود في الأردن، واندلاع الحرب الأهلية في لبنان، جاء إقدام مصر على إبرام اتفاقيات كامب ديفيد، ثم اندلاع حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، واجتياح الجيش الاسرائيلي لبيروت، ومحاصرته للزعيم ياسر عرفات وعناصره فيها.

أما على الصعيد العربي فإنه جاء بالتزامن مع انعقاد قمّتي فاس الأولى في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981، والتي أرجئت بسبب الخلافات العربية – العربية حول مشروع الأمير فهد للسلام، والثانية فيما بين 6 و9 أيلول/ سبتمبر 1982، والتي قررت"ترميم البناء المتداعي للنظام العربي"،  واعتماد هذا المشروع الذي سمي بـ"الخطة العربية للسلام" والذي  يقوم على النقاط الثماني التالية:

1/ انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، بما فيها مدينة القدس.

2/ إزالة المستوطنات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967.

3/ ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.

4/ تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد وتعويض من لا يرغب في العودة.

5/ إخضاع الضفّة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدّة لا تزيد على بضعة أشهر.

6/ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

7/ يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات سلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة.

8/ يقوم مجلس الأمن الدولي بضمان تنفيذ تلك المبادئ.

والى جانب ذلك قررت القمة تكوين لجنة من المملكة العربية السعودية، وسوريا، والأردن، والمغرب، وتونس، والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية، للاتصال بالدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي للتعرف على مواقفها من الخطة ثم عرض نتائج اتصالاتها ومساعيها على الملوك والرؤساء بكيفية منتظمة.

وتجدر الملاحظة أن الرئيس الحبيب بورقيبة لم يتمكن من المشاركة في القمة لأسباب صحية غير أنه وجه إليها رسالة مما جاء فيها خاصة قوله: "لقد دعوتكم منذ عشرين سنة إلى قبول الشرعية الدولية والتمسك بها أساسا لحل القضية الفلسطينية وشهدتم اليوم أنها المدخل الأنجع، فتأملوا جيدا في ذلك وانظروا فيما جاء بعدها من مشاريع تنطوي كلها أو بعضها على ما يتماشى ومصلحتنا واغتنموا الفرصة فهي سانحة وابحثوا لكم عن طريقة توفر تبني المجموعة الدولية لرأيكم وتلزمها بضمان تنفيذه واصبروا وصابروا واجمعوا لأنفسكم ما يعزز ساعدكم وحجتكم" (2).

ويروي السيد الباجي قائد السبسي في كتابه "الحبيب بورقيبة، المهم والأهم" أنه التزاما من تونس بقرارات قمة فاس شارك هو شخصيا بصفته وزير الشؤون الخارجية حينئذ، "في البعثة التي ترأسها الملك الحسن الثاني إلى الرئيس ريغان والبعثات التي ترأسها العاهل الأردني الملك حسين إلى الرئيس ميتران في باريس، والرئيس أندروبوف في موسكو، والرئيس زيانغ تشاو السكرتير الأول للحزب الشيوعي الصيني في بكين. أما بالنسبة للبعثة التي التقت بمارغريت تاتشر وكانت برئاسة الملك حسين فقد مثل تونس فيها محمود المستيري (كاتب الدولة للشؤون الخارجية) وكنت قررت في البداية عدم مشاركة تونس بسبب رفض تاتشر مباشرة استقبال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية إذ أن البعثة لا معنى لها مبدئيا دون أبو مازن بينما منظمة التحرير الفلسطينية هي في صميم المشكلة، وأدى إصرار الزملاء العرب الى حل وسط، وقد فهم محمود المستيري باعتباره دبلوماسيا دون شك أبعاد قرارنا" (3).

وقد تكرر مثل هذا الموقف المبدئي في مناسبات لاحقة عديدة كما سنرى فيما بعد.

ودون الوقوف مطوّلا عند الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي بذلتها تونس عربيا ودوليا في العديد من كبريات العواصم وخاصة في العاصمة الفرنسية باريس، من أجل فك الحصار عن الرئيس ياسر عرفات وعناصره وإخراجهم من بيروت سالمين، فإننا نلاحظ أن  اختيار الانتقال إلى تونس دون غيرها من العواصم العربية العديدة يحمل في طياته عدة دلالات ربما يكون أهمها الاعتراف بحصافة الرئيس الحبيب بورقيبة وبعد نظره، خاصة وأن مجريات الغزو الإسرائيلي للبنان دلّت على غياب التضامن العربي الفعال، وعجز العرب عن توظيف قدراتهم العسكرية والاقتصادية في الوقوف إلى جانب عاصمة عربية تحتل تحت أنظارهم، فما بالك بالوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني الذي مرت على نكبته عقود من الزمن.

ومهما يكن من أمر فإن ما ينبغي التشديد عليه هو أن انتقال الرئيس ياسر عرفات إلى تونس جاء في وقت تحوّلت فيه تونس إلى وجهة دبلوماسية وسياسية وإعلامية ذات أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي، فهي إلى جانب شبكة العلاقات الجيدة التي كانت تربطها مع مختلف دول العالم، والتي كانت في حد ذاتها تمكنها من الاضطلاع بدور حيوي في مساندة القضية الفلسطينية، استطاعت، باحتضانها لمقر جامعة الدول العربية التي انتقلت من القاهرة إلى تونس في أعقاب ابرام اتفاقيات كامب ديفيد، أن ترسخ هذا الدور وأن تعمّقه وأن توسع نطاقه بفضل تضافر العديد من العناصر التي يمكن أن نجمل أهمها فيما يلي:

·        أن وجود القيادة الفلسطينية في تونس يسّر عليها  التشاور والتنسيق السياسيين معها في مختلف شؤون القضية الفلسطينية ومستجدّاتها.

·        أن وجود جامعة الدول العربية في تونس وكون السيد الشاذلي القليبي الامين العام للجامعة تونسيا ساعدا الحكومة التونسية على تلبية العديد من رغبات الجانب الفلسطيني فيما يتعلق بالتحركات العربية والدولية التي كان ينبغي القيام بها في مواجهة الأحداث والأوضاع المتعاقبة.

·        أن زوار تونس من كبار المسؤولين من مختلف دول العالم كانوا يحرصون على التواصل مع الجانب الفلسطيني خلال تواجدهم فيها، كما كان زوار الجانب الفلسطيني يحرصون على التواصل مع المسؤولين التونسيين لا فقط لأهداف ثنائية بل لبحث قضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

·        أن تونس بحكم احتضانها في ذات الوقت لجامعة الدول العربية والقيادة الفلسطينية تحولت إلى قطب إعلامي كبير حيث تكثف عدد المكاتب الاعلامية والمراسلين المقيمين فيها كما كان الصحافيون والإعلاميون من مختلف دول العالم يأتون اليها إما للاتصال بالمسؤولين في الجامعة أو القادة الفلسطينيين أو بكليهم.

·        أن مجمل هذه العناصر متضافرة وفر للقيادة الفلسطينية مناخا ملائما لتكثيف عملها السياسي والدبلوماسي في تونس وبالانطلاق منها، مدشّنة بذلك مرحلة جديدة في تاريخ النضال الفلسطيني.

وربما لا نخطئ إن قلنا إن القيادة الفلسطينية عندما قررت المجئ إلى تونس كانت تعي جيدا أنها ستبدأ أسلوبا جديدا في مقاربة العلاج المطلوب للقضية الفلسطينية خاصة وأن الحكومة التونسية حرصت منذ البداية على أن تتفق معها على ما سماه السيد الباجي قائد السبسي الذي كان، كما أسلفنا، يتقلد منصب وزير الشؤون الخارجية "طريقة العمل الفضلى"، ففي محادثة مع السيد حكم بلعاوي مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بتونس يوم 23 تشرين اول/ أكتوبر 1985 أي بعد ثلاثة أسابيع من العدوان الاسرائيلي على حمام الشط قال ما يلي: "نريد أن نكون معكم على اتفاق بشأن طريقة العمل الفضلى فنحن لا نعتقد أن تونس تستطيع أن تكون ساحة لمساعدتكم على الكفاح المسلح، وعليكم الاستفادة من مركزها الدولي ومكانتها المشعة في نضالكم السياسي فيكون إذن مقركم السياسي بيننا وتجنبوا العسكريات التي لها ساحات أخرى أنجع لتحقيق أهدافكم".

وفي محادثة تالية بينهما في 08 تشرين ثاني/ نوفمبر 1985 تطرق السيد حكم بلعاوي إلى قرار الرئيس ياسر عرفات نبذ العمل المسلح خارج فلسطين المحتلة فقال: "نحن ارتكبنا مخالفات في العمل الخارجي، ولكن العمل في الداخل سيظل مقدّسا ورغم تصريح أبو عمار فإنه قد تحدث تجاوزات أو ردود فعل على أعمال مسلحة ضدنا".

والفقرة التي أوردناها على لسان السيد الباجي قائد السبسي ترددت فقرات مثلها على ألسنة الوزراء الذين تعاقبوا بعده على وزارة الشؤون الخارجية، وكمثال على ذلك نورد فيما يلي فقرة من حديث أدلى به السيد الهادي المبروك في 08/01/1987 الى جريدة "الانباء" الكويتية: "أهلا وسهلا بمنظمة التحرير الفلسطينية كقيادة سياسية لا كقوة عسكرية وهي متواجدة فعليا في تونس فهنا الآن أبو اللطف وأبو اياد وأبو مازن وغيرهم"...

والمطالع لأرشيف وزارة الشؤون الخارجية على امتداد فترة إقامة القيادة الفلسطينية في تونس لا بد أن يلاحظ، أولا، أن التنسيق بين تونس وبين القيادة الفلسطينية بلغ درجة عالية من الانتظام والكثافة، فقد كان المسؤولون الفلسطينيون يترددون على الوزارة باستمرار إما للإعلام بالمستجدات، أو الاستشارة في بعض الأمور، أو طلب تحرّك ما، أو تنسيق موقفي الجانبين في أفق بعض الاجتماعات  الإقليمية والدولية، أما من الجانب التونسي فقد كان التنسيق مع نظيره الفلسطيني يعني النصح، والاقتراح، وأحيانا التدخل أو التوسط لدى أطراف أخرى من أجل حل بعض الإشكالات أو تيسير بعض الأمور.

وعلى صعيد ثان كان هناك تبادل مكثف للرسائل بين رئيسي الجمهورية التونسية (الرئيس الحبيب بورقيبة ثم الرئيس زين العابدين بن علي) وبين الرئيس ياسر عرفات إما للإعلام فيما يتعلق ببعض الأحداث الهامة أو للإعراب عن رغبة الجانب الفلسطيني في قيام تونس بتحرك معيّن، على غرار السعي من أجل عقد قمة عربية، او إعطاء الاهمية اللازمة لموضوع ما في بعض المحافل الاقليمية أو الدولية...

وكنماذج من هذه الرسائل اخترت أن أورد لكم الرسائل الأربع التالية:

-       الرسالة الأولى: رسالة موجهة من الزعيم ياسر عرفات الى الرئيس الحبيب بورقيبة في كانون أول/ ديسمبر 1986 بخصوص وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان، وقد جاء في هذه الرسالة التي كانت موضوع جلسة جمعت خاصة بين الرئيس والوزير الأول رشيد صفر ووزير الخارجية الهادي المبروك ووزير الداخلية زين العابدين بن علي، ما يلي: "لقد تابع شعبنا الفلسطيني بكل اعتزاز وتقدير اهتمامكم المباشر بما تتعرض إليه مخيماتنا في لبنان من حصار زاد حول بعضها على الشهرين ونصف الشهر، مع كامل تقدير شعبنا داخل وخارج أراضينا المحتلة للدور الذي تقوم به تونس بقيادتكم مع قضية شعبنا العادلة وإننا لواثقون يا فخامة المجاهد الأكبر أنه بناء على توجيهاتكم الكريمة ستتابع تونس وحكومة تونس الشقيقة هذه الجهود المباركة خاصة لما لفخامتكم من تقدير واحترام على الصعيدين العربي والدولي وإننا لنرجو يا فخامة الرئيس أن نتمكن عبر الجامعة العربية من العمل المثمر لحقن الدم الفلسطيني والدم اللبناني". (4).   

-       الرسالة الثانية: رسالة موجّهة من الزعيم ياسر عرفات إلى الرئيس زين العابدين بن علي بتاريخ 05/03/1991 بمناسبة انعقاد قمة الدول المغاربية في ليبيا وقد عبر فيها عن  "ثقتنا العميقة بحكمة الإخوة القادة الذين يضمهم هذا اللقاء الهام وإسهامهم العالي في تمكين الأمة بأسرها من تجاوز المحنة التي أوجدتها أزمة الخليج والحرب العدوانية التي تمخضت عنها ضد العراق من أمريكا وحلفها الأطلسي وأهمية التغلب على ما تواجهه أمتنا من عقبات جديدة في طريقها"...

وأضاف أبو عمّار قائلا: "كما يحدونا الأمل في بلورة دور متميز لدول المغرب العربي وشعوبها لمواصلة مسيرة الإسناد والتكاتف مع جهاد شعبنا الفلسطيني وانتفاضته الشعبية المباركة وصولا الى تحقيق أهدافنا في التحرير والاستقلال بالاستناد إلى مبادئ الشرعية الدولية الواحدة والمعيار الواحد لتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية وكما طبقت في أزمة الخليج".

ثم أكد "ان منظمة التحرير الفلسطينية تتوجه لسيادتكم وللإخوة القادة المغاربيين في اجتماعهم في هذا الظرف التاريخي وكلها أمل في تعزيز وتطوير دعمكم لجماهير شعبنا الفلسطيني الذي يخوض انتفاضته المباركة وذلك لتقوية كل أسباب الصمود وتصاعد النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي وللتصدي لجرائمه ومجازره التي يرتكبها بحق أطفالنا ونسائنا وبحق مقدساتنا الاسلامية والمسيحية ولتحقيق النصر في معركة الحرية والاستقلال وحماية المقدسات"...

-       الرسالة الثالثة: رسالة "عاجلة" من الزعيم ياسر عرفات إلى الرئيس زين العابدين بن علي بتاريخ 31/07/1991 نبّه فيها إلى "التطورات والمتغيرات الكبيرة والخطيرة التي تمر بها قضية شعبنا وأمتنا من جراء تسارع وتيرة التحركات والخطوات التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية والتي تراعي فقط مصالح اسرائيل على حساب وجود وحقوق شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية، فالتحركات الجارية التي تقود خطواتها الادارة الأمريكية حددت اتجاهها بمسارين يصبان معا في خدمة تكريس الاحتلال الاسرائيلي وتطبيع علاقاته مع العرب وتغييب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقضية القدس واستبعاد الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني عن مؤتمر السلام".

وأوضح أن "المسار الأول والأساسي يهدف إلى تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية"... وأن "المسار الثاني يتعلق شكلا بالقضية الفلسطينية وهو ليس أكثر من تأمين غطاء فلسطيني لتمرير عملية التسوية المبرمجة مع إقصاء كامل لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا من عملية التسوية وإدخال الفلسطينيين في متاهات المفاوضات غير المتكافئة لما يسمى بالإدارة الذاتية التي تعطي الشرعية للاحتلال الاسرائيلي"...

وقال إن الشعب الفلسطيني يأمل في "اتخاذ خطوات عملية وملموسة وعاجلة تترجم التزامكم القومي والديني تجاه قضية القدس الشريف والمقدسات الاسلامية والمسيحية في فلسطين وحماية للأمن القومي العربي ومستقبل الامة العربية كما يناشد الجميع قادة وحكومات وشعوبا التأكيد على الثوابت التي تم الاتفاق عليها في مؤتمرات القمم العربية والإسلامية وعدم الانحياز والشرعية الدولية بالنسبة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وبالنسبة الى القدس الشريف"...

-       الرسالة الرابعة: رسالة من الزعيم ياسر عرفات الى الرئيس زين العابدين بن علي بتاريخ  05/05/1992 بمناسبة اقتراب موعد انعقاد اللجان المتفرعة عن المؤتمر متعدد الأطراف الخاص بالشرق الأوسط، وقد أعرب في مستهلها "باسم شعب فلسطين المجاهد المرابط عن "تقديرنا لفخامتكم ولبلدكم الشقيق على دوركم في دعم قضية القدس والقضية الفلسطينية وشعبها المجاهد وعلى حرصكم لتطوير أواصر التنسيق والعمل العربي المشترك خاصة في هذه الظروف البالغة الدقة والخطورة بهدف تحقيق اهدافنا الوطنية والقومية المشتركة".

وأكد أنه "تقديرا منا لأهمية الدور العربي في توجيه مسار هذا المؤتمر وتحديد نتائجه فإننا نؤكد على الضرورة القصوى للتنسيق والتدارس معا حول الموقف من هذا المؤتمر والمشاركة فيه والسير في أعماله"... ثم تحدث عن "الامور التي نستشعر أهميتها الفائقة بالنسبة لنا كشعب فلسطيني وأمة عربية وقضية مقدسة" فعددها فيما يلي: ضرورة توسيع التمثيل الفلسطيني في المؤتمر متعدد الاطراف ليشمل شعب فلسطين في الوطن والشتات والقدس، ضرورة مشاركة الامم المتحدة مشاركة حقيقية وفعالة باعتبارها الهيئة الراعية للشرعية الدولية، وضرورة إفراد القدس باعتبارها قضية ذات خصوصية مميزة ومقدسة عربيا واسلاميا وعالميا، بلجنة خاصة بها، ثم ضرورة الوعي بخطورة سعي اسرائيل للوصول الى تطبيع علاقاتها مع الدول العربية كأمر منفصل عن نتائج المفاوضات الثنائية وسابق للانسحاب من الاراضي العربية والفلسطينية المحتلة بما فيها القدس...

وبالنظر الى خطورة المؤتمر ودقة أعمال لجانه فقد اقترح الزعيم ياسر عرفات "صياغة وثيقة للتنسيق والعمل المشترك بين جميع الاطراف العربية المعنية بالمؤتمر تستند إلى قرارات الشرعية العربية والدولية وتشكيل آلية لعملها كمجموعة موحدة ومتكاملة وهذا يشمل الاتفاق على أية مقترحات يتم تقديمها وعلى جدول الاعمال والتخاطب مع الجهات الراعية ومع الوفود المشاركة الأخرى".

واختتم بالقول: "ونرجو أن تتم اتصالات سريعة على مستوى وزراء الخارجية العرب وبمساهمتكم البناءة لوضع هذه النقاط موضع التنفيذ".   

وعلى العموم فإننا يمكن أن نلخّص أهم الأدوار التي اضطلعت بها تونس في خدمة القضية الفلسطينية خلال فترة اقامة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فيها، في النقاط التالية:

1/ العمل على التقريب بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الولايات المتحدة الأمريكية: وذلك على امتداد عقد الثمانينات الذي شهد اطلاق العديد من المبادرات الرامية الى تسوية القضية الفلسطينية، ثم  في مطلع التسعينات قبل انطلاق مسيرة السلام في الشرق الاوسط بمدريد وخلالها وفي مراحلها التالية.

وقد كانت الجهود التونسية مطلوبة باستمرار فلسطينيا وأمريكيا.

فقد كان الجانب الفلسطيني يطلب من تونس بذل جهودها من أجل اقناع الجانب الامريكي بالتخلي عن انحيازه الأعمى إلى اسرائيل وباتخاذ موقف أكثر توازنا من مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة وخاصة بالاعتراف له بحق تقرير المصير.

اما الجانب الامريكي فكان يطلب منها العمل على إقناع الجانب الفلسطيني بضرورة توخي الاعتدال وتأكيد التخلي عن العنف وإعلان قبول القرارين 242 و338 والاستعداد للتفاوض.

وواضح من خلال اللقاءات والمحادثات التي كانت تجري معهما أن الجانبين الفلسطيني والأمريكي كانا يقدران جهود الجانب التونسي في تقريب الشقة بينهما.

فمن الجانب الفلسطيني يمكن أن نشير مثلا الى ان الزعيم ياسر عرفات حيى خلال لقاء جمعه بالسفراء العرب في بلغراد يوم 21/12/1988 الدور الذي اضطلعت به تونس دبلوماسيا ولوجستيا في تيسير انطلاق الحوار بين الجانبين الفلسطيني والأمريكي حيث أن رئيسها وضع دار الضيافة بقرطاج تحت تصرفهما عند عقد اللقاء الاول بينهما.

ومن ناحية أخرى وعندما حاولت مصر لاحقا نقل الحوار الفلسطيني الامريكي إلى القاهرة أصر الجانب الفلسطيني على إبقائه في تونس خاصة وانه كان يرى كما جاء على لسان السيد حكم بلعاوي "ان "السفير الامريكي بلترو الابن Pelletreau شخصية ممتازة وانه لعب دورا بارزا في الحوار الذي كان الجانب الفلسطيني يريد استمراره".

أما من الجانب الأمريكي فيمكن ان نشير مثلا الى أن "روبرت كيمّيت Robert Kimmitt" كاتب الدولة الامريكي المساعد للشؤون السياسية قال في محادثة جرت بينه وبين سفير تونس بواشنطن في 15 ماي 1989 "إن بلاده تعرب لتونس عن عرفانها وهي تثمن الدور الهام الذي لعبته في اقرار الحوار بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية"...

وفي محادثة مطولة أخرى بين سفير تونس بواشنطن و"دان كرتزر:Dan Kurtzer" كاتب الدولة الامريكي المساعد المكلف بمسيرة السلام وعلاقات الولايات المتحدة مع مصر واسرائيل في 24 جانفي 1990 قال المسؤول الأمريكيّ: "مثلما عبر عن ذلك السفير بلترو  الابن للحكومة التونسية نحن نثمن عاليا مساعدتكم على عقد وتواصل حوارنا مع منظمة التحرير الفلسطينية... ونحن نقدر لا فحسب دوركم على الصعيد التقني بل ايضا موقفكم الداعم للحوار الذي يعرف بعض الصعوبات".

وكتأكيد لهذا العرفان أرسلت واشنطن إلى تونس وفدا قام بتوسيم وزير الشؤون الخارجية في 20 جوان 1989.

على أننا ينبغي أن نلاحظ أن تونس كانت تحرص في مساعيها للتقريب بين الجانبين الفلسطيني والأمريكي على المراوحة بين أسلوب التحاور والإقناع وبين أسلوب الضغط عندما تقتضي الظروف ذلك، وفي هذا النطاق نشير مثلا إلى ان تونس ردت الفعل بقوة عندما رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس ياسر عرفات تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة للمشاركة في أشغال الامم المتحدة.

فقد قام كاتب الدولة للشؤون الخارجية الحبيب بن يحيى باستدعاء السفير الامريكي بتونس روبار بلترو الابن وسلمه نص البيان الذي اصدرته الحكومة التونسية في الخصوص وأبلغه أن الحكومة تدعو السلطات الأمريكية بإلحاح إلى مراجعة موقفها.

ومما جاء في بيان الحكومة نورد المقتطفات التالية: "تلقت الحكومة التونسية باستغراب واستنكار رفض منح وزارة الخارجية الامريكية تأشيرة دخول للسيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الى نيويورك لحضور مداولات منظمة الامم المتحدة حول قضية فلسطين. وإن هذا الرفض يتعارض نصا وروحا مع اتفاقية المقر لسنة 1947 وهو إذ يحد من حرية المنظمة المطروحة على جدول أعمالها يعطل سير عمل الأمم المتحدة كأداة لتحقيق السلم والأمن في العالم.

وفي الوقت الذي استبشر فيه الرأي العام الدولي بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني الاخير التي تبرهن بما لا يدع مجالا للشك عن تشبث القيادة الفلسطينية بالشرعية الدولية ونبذها للإرهاب وحرصها على توخي سبيل السلم والحوار يأتي القرار الامريكي مناهضا لهذا التوجه البناء مخيبا لآمال محبي السلام والعدل في العالم مشجعا للتطرف الاسرائيلي في اجهاض كل محاولة لوضع قضية فلسطين في سياق الوفاق الدولي.

وان الحكومة التونسية تطالب السلط الامريكية بمراجعة موقفها الذي لا تجد له مبررا وتساند الدعوة الى اجراء المداولات خارج الولايات المتحدة".

وكانت تونس وقفت مثل هذا الموقف عندما اعتبرت الولايات المتحدة "ابو العباس" إرهابيا ففي محادثة بين السيد الباجي قائد السبسي والسيد حكم بلعاوي في 23 اكتوبر 1985 تطرق الجانبان الى زيارة المبعوث الامريكي وايتهيد إلى تونس فاكد الوزير "أن تونس كانت واضحة وصارمة وانه قال للمبعوث الامريكي بخصوص اعتبار "ابو العباس" ارهابيا، إذا كنتم تعتبرونه كذلك فاننا نعتبر شيمون بيريز ارهابيا اخطر منه".

وفي شهر جوان من سنة 1990، وعندما قررت الولايات المتحدة تعليق الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية اعربت وزارة الشؤون الخارجية عن شديد أسفها لهذا القرار وقالت "ان الحوار الذي شجعته تونس واحتضنته كان مصدر تفاؤل وأمل في التقريب بين الاطراف وتسهيل التفاهم بينها.

وإن تعليق الحوار ليس من شأنه أن يخدم السلم في منطقة الشرق الاوسط بل يهدد الامال التي علقت على مسيرة غايتها إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية".

وبعد المقارنة بين استعداد منظمة التحرير الفلسطينية للمضي قدما في المسيرة السلمية وبين مواصلة اسرائيل انتهاج سياسة التعنت ورفض الامتثال للشرعية الدولية دعت الوزارة الولايات المتحدة إلى "إعادة النظر في قرارها والضغط على اسرائيل حتى تمتثل لإرادة المجموعة الدولية وتقبل بكل جد الدخول في حركية سلام انسجاما مع جو الوفاق والسلم الذي يميز العلاقات الدولية".

على أنه من المهم أن نشير من ناحية أخرى الى أن الجانب الفلسطيني كان يثق بتونس، ويعول عليها في إبلاغ وشرح مواقفه وأفكاره ومقترحاته للجانب الأمريكي، ففي محادثة بين وزير الشؤون الخارجية وبين الزعيم ياسر عرفات في 4/3/1986 يقول أبو عمار إن طرفا عربيا معيّنا "يخفي على الأمريكيين بعض المقترحات الفلسطينية وينسب للجانب الامريكي ما يشاء اثناء مباحثاته مع القيادة الفلسطينية".

2/ التحرك في اتجاه القوى الدولية الاخرى والتنسيق معها من أجل الحد من هيمنة الولايات المتحدة على جهود تسوية القضية الفلسطينية: وفي هذا الاطار كانت تونس تحرص باستمرار على تبادل المعلومات والتتشاور وعند الاقتضاء تنسيق المواقف والتحركات مع كل من موسكو ومع بيجنغ، خاصة وأنهما كانتا تتفقان معها ومع الدول العربية في الشعور والقناعة بأن نجاح جهود السلام يظل أمرا مشكوكا فيه ما دامت الولايات المتحدة تتوخى سياسة المكيالين وتحجم عن ممارسة أي شكل من أشكال الضغط الحقيقي على اسرائيل وفي نفس الوقت تواصل تهميش منظمة التحرير رغم التنازلات التي أقدمت عليها لتوفير المناخ الملائم لايجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.

وقد كانت تونس تلتزم في كل هذه التحركات بالدفاع عن المواقف والمطالب الفلسطينية وبالسعي إلى حشد أكبر قدر من التأييد الدولي لها.

3/ المرافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ومساندة المطالب الفلسطينية في مختلف المحافل: الإقليمية (جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر/ التعاون الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية/ الاتحاد الافريقي وحركة عدم الانحياز) والدولية (منظمة الامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة).

وتأكيدا للحضور الفلسطيني على الصعيد الدولي ساندت تونس دائما رغبات الجانب الفلسطيني في الانضمام الى بعض الهيئات المتفرعة عن منظمة الامم المتحدة كمنظمة الصحة العالمية واليونسكو وغيرهما.

4/ الإسهام بكل ما في وسعها من جهود في إيجاد الحلول الملائمة للأزمات التي عرفها الجانب الفلسطيني مع بعض الدول العربية على غرار أزمة المخيمات في لبنان: وفي هذا الصدد نشير إلى أن الرئيس الحبيب بورقيبة أصدر على اثر الرسالة التي وجهها اليه الزعيم ياسر عرفات والتي كنا اوردنا مقتطفات منها أعلاه تعليماته ببذل كافة الجهود الممكنة من أجل المساعدة على معالجة هذه الأزمة، وفي هذا الإطار يمكن أن نشير مثلا الى ان سفير تونس ببيروت قابل الرئيس اللبناني أمين جميل يوم 13 كانون أول/ ديسمبر 1986  وابلغه محتوى البيان الذي اصدرته الحكومة التونسية حول الوضع في المخيمات ودعوة تونس الى ايقاف التقاتل بين الأشقاء والى جانب ذلك طاف السفير على كبار  المسؤولين والقادة السياسيين اللبنانيين وفي طليعتهم رئيس الحكومة اللبنانية ليدعوهم الى بذل جهودهم من أجل إيقاف المعارك الجارية في المخيمات وحفظ الارواح البشرية ورأب الصدع بين الاشقاء.

ومن ناحية أخرى وفي إطار الدور الانساني الذي دأبت على الاضطلاع به للتخفيف من آلام الشعب الفلسطيني في مختلف المحن التي عاشها قامت تونس بإرسال بعثة طبية إلى لبنان للمساعدة على معالجة الجرحى كما قامت وزارة الصحة العمومية والهلال الاحمر التونسي واللجنة التونسية للتضامن الوطني بإرسال كميات من الادوية والإعانات الانسانية الى سكان المخيمات.

هذا على الصعيد الثنائي، أما على الصعيد متعدد الأطراف فقد كانت تونس عضوا في اللجنة التي قررت جامعة الدول العربية تأليفها لمعالجة الازمة.

5/ الوقوف بقوة إلى جانب انتفاضة الحجارة: من منطلق إيمانها بضرورة المزاوجة بين النضال السياسي والكفاح المسلح من أجل التحرر واسترجاع الحقوق السليبة ساندت تونس هذه الانتفاضة التي اندلعت في 09/12/1987 في قطاع غزة والضفة الغربية والتي استمرت حتى توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993.

وبالفعل فإن هذه الانتفاضة أقامت الدليل على نجاعة اقتران  النضال في الداخل بالعمل السياسي والدبلوماسي في الخارج، مثلما كانت تونس والرئيس الحبيب بورقيبة يدعوان إلى ذلك.

6/ توظيف الاعتداءات الاسرائيلية على تونس في خدمة القضية الفلسطينية: تعرضت  تونس خلال احتضانها للقيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى الاعتداءين الاسرائيليين التاليين:

أ) 01/10/1985: قيام الطيران الاسرائيلي بقصف مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط إحدى ضواحي تونس العاصمة.

ب) 16/4/1988: قيام اسرائيل باغتيال خليل الوزير، أبو جهاد نائب الزعيم ياسر عرفات والرجل الثاني في حركة فتح في تونس.

وقد خاضت تونس بمناسبة هذين الاعتداءاين معارك دبلوماسية ضارية على مستوى منظمة الأمم المتحدة عرّت من خلالها طبيعة اسرائيل العدوانية الارهابية وهو ما عاد بالفائدة على القضية الفلسطينية.

وقد استطاعت تونس، على اثر قصف حمام الشط، أن تحقق انتصارا دبلوماسيا منقطع النظير، اذ لأول مرة تمتنع الولايات المتحدة نتيجة تهديد الرئيس الحبيب بورقيبة بقطع العلاقات معها عن استعمال حق النقض كما اعتادت دائما في وجه القرار الذي اصدره مجلس الامن بخصوص هذا الاعتداء.

وقد نقل السيد حكم بلعاوي إلى السيد الباجي قائد السبسي وزير الشؤون الخارجية أن الزعيم ياسر عرفات قال عن ذلك: "ان هذا نصر علمه بورقيبة للعرب".

وتجدر الملاحظة أن تونس تعاملت مع هذا العدوان بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف في فبراير /فيفري سنة 1958، ومثلما كانت مؤمنة بالتضامن مع الشعب الجزائري وثورته ضد المستعمر الفرنسي ومستعدة لتحمل تبعات هذا التضامن، أكدت أنها مؤمنة بأن احتضانها للقيادة الفلسطينية واجب قومي وهي مستعدة لتحمل تبعات هذا الاحتضان.

ولذلك أكد السيد الباجي قائد السبسي للسيد حكم بلعاوي، عندما جرى الحديث عن احتمال تضايق تونس من وجود الفلسطينيين فيها بعد الاعتداء على حمام الشط "أن تونس قبلت ان تكون مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية مختارة وانه لم يحدث ما يغير هذا الاختيار المبني على التزام مبدئي نعتبره في تونس من الثوابت ولا نتخلى عنه اذا ما تعرضنا بسببه للاذى".

7/ الاعتراف بالدولة الفلسطينية: بادرت تونس بالاعتراف بالدولة الفلسطينية عندما تم الاعلان عن ميلادها في الجزائر سنة 1988.

وقد اصدرت الحكومة التونسية بالمناسبة بيانا رحبت فيه بالقرار الفلسطيني وأعربت عن مساندتها له كما أعلنت عن اعترافها بالدولة الفلسطينية وأكدت انها ستقف دائما الى جانب حق الشعب الفلسطيني في أن يكون له وطن ودولة.

وفي نفس هذا البيان حيت تونس الانتفاضة وأعربت عن تقديرها الكبير لأبطالها.

8/ المشاركة في مسيرة السلام في الشرق الاوسط بشقيها الثنائي ومتعدد الإطراف تأييدا للجانب الفلسطيني: انطلاقا من قناعتها بتدهور الموقف العربي بعد غزو الكويت، واختلال التوازن الاقليمي بعد الحرب على العراق، بالتزامن مع اختلال التوازن الدولي على اثر انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، اعتبرت تونس أن مسيرة السلام في الشرق الاوسط يمكن، إذا عرف الفلسطينيون والعرب كيف يستفيدون منها، أن تشكل فرصة لحمل اسرائيل على قبول حل القضية على اساس الشرعية الدولية وقرارات منظمة الامم المتحدة.

وقد جاءت مشاركتها في هذه المسيرة من منطلق هذه القناعة ومن منطلق حرصها على دعم الموقف الفلسطيني والتوصل الى حل عادل ومشرف للقضية الفلسطينية.

وقد تجسمت هذه المشاركة في عدة مظاهر فقد كان هناك تنسيق بين الجانبين على اعلى مستوى أي بين رئيس الجمهورية وبين الزعيم ياسر عرفات وبين وزير الشؤون الخارجية والإخوة أبو اللطف وأبو مازن وحكم بلعاوي.

ومن ناحية اخرى اعطيت التعليمات الى سفارة تونس بواشنطن قصد تقديم المساعدة اللازمة للوفد الفلسطيني.

وقد حرصت تونس على أن يتم التحضير لكل جولة من جولات المفاوضات بالتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية وذلك من خلال التشاور وتبادل الوثائق وحتى اشراك الجانب الفلسطيني في بعض الاجتماعات التحضيرية التونسية.

كما اعطيت التعليمات للوفود التونسية المشاركة في المفاوضات بالتنسيق التام قبل وأثناء النقاش مع الوفود الفلسطينية.

وتجدر الملاحظة أن تونس اقترحت في مؤتمر موسكو إحداث لجنتي القدس وحقوق الانسان ضمن اللجان القارة لمؤتمر السلام.

وقد التزمت تونس وأكدت خلال مؤتمر موسكو أن التطبيع لن يسبق الحل المرضي للقضية الفلسطينية.

9/ الوقوف الى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية: في افق تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية وانتقالها إلى "موطئ القدم الاول" حرصت تونس على تاكيد دعمها للجانب الفلسطيني من خلال ابرام "اتفاق اطاري للتعاون بين الجمهورية التونسية ومنظمة التحرير الفلسطيني" في 11 تموز /جويلية 1994، وذلك اعتبارا لما للشعبين الشقيقين التونسي والفلسطيني من متين الروابط الاخوية التاريخية القائمة على المساندة المطلقة للقضية الفلسطينية المقدسة وعلى التآزر والتعاون طيلة فترة الكفاح الفلسطيني واستنادا الى ارادة الشعبين وقيادتيهما لتجسيم وتدعيم هذا الرصيد التاريخي في المرحلة الحاسمة التي يستعد فيها الشعب الفلسطيني لتولي سلطاته وترسيخ كيانه الوطني وذلك بإرساء تعاون مثمر وشامل في مختلف الميادين استجابة لتطلعات الشعبين في الازدهار والمناعة لأجيالهما حاضرا ومستقبلا.

وقد أكد الطرفان في الفصل الاول من  الاتفاق "ارادتهما في تدعيم العلاقات السياسية الوطيدة بينهما وذلك بإجراء مشاورات منتظمة قصد تقييمها وتطويرها وتبادل الرأي والتنسيق حول المسائل العربية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك وتنعقد هذه المشاورات بالتداول في تونس وفلسطين وكذلك اثناء دورات جامعة الدول العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما قررا "إحداث لجنة تونسية فلسطينية برئاسة وزيري خارجية الطرفين او من ينوب عنهما، يوكل اليها متابعة تسيير التعاون التونسي الفلسطيني والعمل على تطويره في مختلف المجالات على اساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة مع امكانية انشاء لجان فنية قطاعية مشتركة لهذا الغرض".

وقد عدد الاتفاق في فصوله الموالية المجالات التي سيتم التعاون فيها وهي التعاون الاقتصادي والمالي والتجاري والتعاون في مجالات الخدمات والبنية الاساسية وحماية البيئة وقد اضيف للاتفاق ملحق تضمن بيانا في مجالات التعاون التونسي الفلسطيني ذات الاولوية وهي كما جاءت في الملحق تتعلق بمجال الادارة ومجال التربية والتعليم ومجال الشؤون الاجتماعية والصحة ومجال التكوين المهني والتشغيل ومجال العمران والتجهيز والإسكان ومجال الزراعة وعدة مجالات اخرى كالسياحة والشباب والرياضة والثقافة والفنون وغيرها..."

وتجدر الملاحظة أن اللجنة المشتركة التونسية الفلسطينية عقدت دورتها الاولى بتونس في 21 ايلول /سبتمبر 1994 برئاسة كل من السيد الحبيب بن يحيى وزير الشؤون الخارجية والسيد فاروق القدومي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس الدائرة السياسية للمنظمة، وقد جدد السيد الحبيب بن يحيى في مستهل الاشغال الاعراب عن "حرص تونس على وضع كل امكانياتها وخبراتها في خدمة المشروع الطموح لإعادة اعمار الاراضي الفلسطينية ومساعدة الشعب الفلسطيني الشقيق على بناء مؤسساته الوطنية وإنشاء دولته المستقلة".

أما السيد فاروق القدومي فقد نوه بـ"الموقف الثابت والمشرف الذي تقفه تونس رئيسا وحكومة وشعبا الى جانب القضية الفلسطينية والدعم الثابت والمتواصل الذي تقدمه للشعب الفلسطيني في كفاحه من اجل استرجاع حقوقه التاريخية المشروعة وإنشاء دولته المستقلة...

واضاف "ان السلطة الوطنية الفلسطينية التي وضعت برنامجا طموحا لعملها بالنسبة للفترة المقبلة تطمح الى تأسيس علاقات تعاون وثيقة ومتنوعة مع البلدان الشقيقة والصديقة ولا سيما مع البلدان العربية وفي هذا السياق فان الجانب الفلسطيني يولي اهتماما بالغا للاستفادة من الخبرات التونسية التي اثبتت كفاءتها في العديد من الميادين"

الخاتمة:

في حوار مع العدد الأول من ملحق الفكر السياسي لجريدة "الحرية" الصادر بتاريخ 7 كانون اول /ديسمبر 2007 يقول الشاذلي القليبي إن "تونس صغيرة الحجم لكن كلمتها مسموعة عند الاشقاء ولدى الاصدقاء وذلك لاعتبارات عديدة من أهمها ان تونس لا تنتمي الى ايديولوجيا سياسية ولا تعتبر غير الواقع ولا تأتمر بغير الحرص على خير مجتمعها والأولوية عندها حسن العلاقة مع الجوار.

من تلك الاعتبارات أيضا ان تونس تصدع بالحق عند الاقتضاء لكن باللغة الودية التي لا تحرج ولا تفسد للود قضية.

ومنها أيضا وربما بالأخص ان تونس لا تبخل بمساعيها الحميدة لتقريب الشقة بين الفرقاء من أجل توطيد الوئام وإرجاع المياه الى مجاريها عند الحاجة" ".

تلك هي تونس كما أحسن السيد الشاذلي القليبي رسم الملامح الكبرى لصورتها، واعتقد أن الدور الذي اضطلعت به في مساندة القضية الفلسطينية ودعمها عكس تماما وبدقة هذه الصورة./.
إشهار
أوقات الصلاة
الطقس اليوم
11° تونس
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° سوسة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
11° بنزرت
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
10° قابس
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° مدنين
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
13° صفاقس
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
11° قفصة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° القيروان
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
10° توزر
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
القصرين
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
10° المهدية
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
المنستير
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° نابل
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
11° تطاوين
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° جندوبة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
11° منوبة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
10° باجة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم
12° سليانة
Radio Zitouna FM | اذاعة الزيتونة للقران الكريم